رسالة إلى طبيبة امتياز

من شعر: ربيع السعيد عبد الحليم

 

 

هذه القصيدة أهداها الشاعر  أستاذ الطب إلى ابنته الطبيبة منى ربيع هدية ونصيحة لها بمناسبة تخرجها  وابتدائها  ممارسة المهنة:

 

أَبُنَيَّتِي!.. اَلطِّبُّ عِلْمُ صِيانَــةِ الأَبْـــدَانِ

وَالْوَحْيُ أَنـْقَذَهُ مِنَ الأَغْـلالِ وَالأَوْثَـــانِ

فَمَحَـا خُـرَاَفَةَ سَـاحِرٍ وَطَـلاسِـمَ الْكـُهَّانِ

وَهَدَى لِعِلْـمٍ نَافِــعٍ وَدَعَـا إِلىَ الإِتـْقَـانِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. بِالدِّينِ شِيدَ مَنَارُ طِـبٍ عَــالِي

زَمَنَ الَرِّياَدَةِ والسِّيَـادَةِ أَكْرَمَ الأَحْــــوَالِ

زَمَنَ التَّقـَرُّبِ لِلإِلَهِ بـِصَالِحِ الأَعْمَـــالِ

لَوْ سِــرْتِ نَفْسَ طَرِيقِهِمْ لَبَـلَغْتِ نَفْسَ مَآلِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. أَجْدَادُنَا كَـانُوا مُـــلُوكَ يَرَاعِ

نَشَرُوا الْعُلُــومَ أَصِيلَةً نَفَعُوا بَعِيدَ بِقَــاعِ

هُمْ زَيَّنُوا أَرْجَـاءَهَا بِرَوَائِعِ الإِبْـــدَاعِ

هُمْ أَنْقَـذُوا " أُورُوبَّةً" مِنْ ظُلْمَةٍ وَضَيَـاعِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. تَارِيخُـنَا نَبْعُ الْحَضَارَةِ جَـارِي

لا تَعْبَئِي بِمُـرَوِّجٍ زَيْـــفًا مِنَ الأَخْبَارِ

عُودِي إِلَى النَّبْعِ الأَصِيلِ بِثَابـِتِ الإِصْرَارِ

رَكْبُ الْعُلُومِ بِحَاجَةٍ لِقِـيَادَةِ الأَخْيَـــارِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. اَلطِّبُّ لَيْــسَ لِغَايَةِ الإِثْـرَاءِ

اَلطِّبُّ لَيْسَ تِجَـارَةً.. صَبْراً عَلَى الإِغْرَاءِ

تَعِسَتْ لَهُمْ مِنْ سِلْعَةٍ: بُـرْءٌ مِنَ الأَدْوَاءِ

اَلطِّبُّ رَحْمَةُ رَاحِمٍ وَرِسَالَةُ الْحُكَــمَاءِ

 

أبُنَيَّتِي!.. عَجَباً لِمَالِكِ ثـرْوَةٍ مُتَبَـاهِي

وَالْمَالُ لَيْسَ بِطَـوْعِهِ بلْ آمِـرٌ لَهُ نَاهِي

وَالْمَالُ لَيْسَ بِمَالِهِ!.. اَلْمَالُ مـَـالُ اللَّهِ

عَجَباً لِعَابِدِ دِرْهَمٍ.. أَتْعِسْ بِهِ مِـنْ لاَهِي

أبُنَيَّتِي!.. إِنَّ الْقَنَـاعَةَ كَنْزُ عِـزٍّ وَافِـي

يَا سَعْدَ مَنْ يَرضَى وَيَقْنَعُ بِاْلقَلِيلِ الْكَافِـي

أَجْرُ الطَّبِيبِ لَدَى الإِلَهِ مُضَاعَفُ الأَضْعَافِ

والرِّزْقُ مَكْفُولٌ بأَمْرِ النـُّـونِ بَعْدَ الْكَافِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. أَعْمَالُنَا بِحَصَـائِدِ النِّيَّـــاتِ

وَالطِّبُّ لَيْسَ وَظِيفَةً بلْ قُرْبَةُ الْقُرُبَــاتِ

فَانْوِي عِيَادَةَ مُبْتَلَىً تَجْنِي مِنَ الْحَسَنَـاتِ

اِنْوِي عِبَادَةَ رَبِّـنَا بِإِزَالـَةِ الْكُــرُبَاتِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. دُرِّسْـتِ طِبًّـا بَادِيَ الإِخْـفَاقِ

كَمْ مِنْ وَبَاءٍ قَاتِلٍ مِنْ فِعْلَةِ الْفُــــسَّاقِ

لَيْسَتْ لَهُ مِنْ وَصْفَـةٍ أَوْ نَوْعِ مَصْلٍ وَاقِي

وَشِعـَارُهُمْ : لَيْسَ الطَّبِيبُ مُعَلِّمَ الأَخْلاقِ!!

 

أَبُنَيَّتِي!.. اَلطِّبُّ عِلْمٌ وَاضِحُ الأَغْــرَاضِ

عَيْنُ الصَّوَابِ وِقَايَةٌ مِنْ مَصْـدَرِ الأَمْرَاضِ

وَعَجِبْتُ مِنْ زَيْغٍ لَهُمْ عَنْهاَ وَمِنْ إعْـرَاضِ

لَنْ يَهْزِمَ الْفَيْرُوسَ طِبٌّ عَنْ شُذُوذٍ رَاضِي

 

أبُنَيَّتِي!.. دُرِّسْتِ طِبًّا نَاقِصَ الإِيضَـاحِ

قَصَرُوا عُلُومَهُمُ عَلَى جَسَدٍ مِنَ الأَمْـلاحِ

لَمْ يُؤْمِنُوا.. لَمْ يَأْبَهُوا بِمَطَالِـبِ الأَرْوَاحِ

أَنَّى لَهُمْ بِسَعَادَةٍ وَالرُّوحُ ذاَتُ جِــرَاحِ؟!

 

أَبُنَيَّتِي!.. لِلْغَرْبِ طِبٌّ ظَاهِرُ الإِفْــلاسِ

بُنِيَتْ عَلَى الإِلْحَادِ مَدْرَسَةٌ بِلا نِبْــرَاسِ

ظُلُمَاتُ تِيهٍ..وَالْهَوَى رِجْسٌ مِنَ الأَرْجَاسِ

لا بُدَّ مِنْ نُورِ الْهُدَى يَحْمِي مِنَ الْوَسْوَاسِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. عَقْلٌ بِلا هَدْيٍ بِنـاءٌ خـَـاوِي

حَثَّ الرَّسُولُ عَلَى رِعَايَةِ صِحَّةٍ وَتَـدَاوِي

فَلِكُلِّ دَاءٍ بُرْؤُهُ.. صَحَّ الْحَدِيثُ لِــرَاوِي

فَلْتَبْحَثِي..هَيَّا انْهَلِي مِنْ نَبْعِ عِلـْمٍ رَاوِي

 

أَبُنَيَّتِي!.. إِيِّاكِ مِنْ يَأْسٍ يَهِــدُّ قُــوَاكِ

جُعِلَ الشِّفَاءُ مُيَسَّراً..لا تفْـجَعِي مَرْضَاكِ

حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْخَبِيـثُ بِجِسْمِهِمْ.. إِيَّاكِ!

بُشْرَى الرَّسُولِ الْمُصْطَفَى فِيهَا ضَمَانُ هُدَاكِ

 

أبُنَيَّتِي!.. إِلاَّ الْمَشِيبُ مُفَرِّقُ الأَحْبَــابِ

لا بُدَّ مِنْ عَوْدٍ عَلَى بَدْءٍ إِلَى سِــرْدَابِ

فِي بَرْزَخٍ نَـحْيَا لِحِينِ قِيَامَةٍ وَحِسَـابِ

ثُمَّ الْخُلُودُ هُنَاكَ فِي رَغدٍ وحُسْنِ ثَـوَابِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. اِسْتَقْبِـلِي مَرْضَـاكِ بِالتِّرْحَابِ

وَبِبَسْمَةٍ تُهْدِي لَهُمْ أَمَلاً فَسِيحَ رِحَــابِ

بَدْءُ الشِّفَاءِ بِشَارَةٌ..ثِقَةٌ بِقَهْرِ صِعَــابِ

ثِقَةُ الطَّبِيبِ بِرَبِّهِ.. وَالأَخْـذُ بِالأَسْبـَابِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. اَلسُّقْــمُ هَمُّ راَئحٌ أَوْ غَـادِي

كَمْ مِنْ عَزِيزٍ هَانِىءٍ فِي بَيْتِهِ وَالنَّـادِي

أَضْحَى قَعِيداً عَاجِزاً مِنْ غَيْرِ مَا عُـوَّادِ

فَتَحَمَّلِي إِرْهَافَهُ مِنْ حَسْرَةٍ وَسُهَـــادِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. يُحْصِي الْمَرِيضُ عَلَيْكِ كُلَّ كَلاَمِ

نُطْقُ الطَّبِيبِ لَدَى الْمَرِيضِ كَجَلْسَةِ الأَحْكَامِ

لا تَحْكُمِي حَتـَّى تَبِينَ مَوَاطِنُ الأَسْقَــامِ

وَتَرَفَّقِي كَيْمَا تَـزُولَ مَعَـــاوِلُ الآلامِ

 

أَبُنَيَّتِي!.. سَمِّ الإِلَهَ قُبَيْلَ بَــدْءِ عِـلاَجِ

هَيَّا اسْأَلِيهِ مَعُونَةً.. هَيَّا اذْكُرِيهِ وَنَاجِـي

ذِكْرُ الإِلَهِ سَعَادَةٌ.. سِرُّ النَّجَاةِ لِنَاجِــي

وَبِدُونِهِ أَحْوَالُنَا ظُلُمَاتُ لَيـْلٍ دَاجِــي

 

أَبُنَيَّتِي!.. مِـسْكُ الْخِتَامِ تَنَاصُحٌ وَتَوَاصِي

بِالصَّبْرِ.. إِنَّ مُرَادَنَا أَمَلٌ عَظِيمٌ قَاَصِي

وَطَرِيقُهُ بَذْلٌ وَجُهْــدٌ دَائِمُ الإِخْلاَصِ

وَالنُّورُ لاحَ لِراَصدٍ.. بُشْرَى بِذَا الإِرْهَاصِ

 

 

 

 

 

         عودا إلى الصفحة الرئيسية